كثيرًا ما يُسأل الإنسان: هل تؤمن بالله؟ هل تؤمن بنفسك؟
لكن ربما السؤال نفسه يحمل إشكالًا أعمق مما نظن.
فالإيمان في جوهره هو تصديق بشيء لا يُرى كما هو، أو لا يُدرك مباشرة.
لكن ماذا لو كان ما نبحث عنه ليس موضوع “إيمان”، بل موضوع “معرفة” أعمق من الإيمان والكفر معًا؟
من هذه الزاوية، يصبح السؤال مختلفًا تمامًا:
ليس “هل تؤمن؟” بل “هل ترى؟ وهل اختبرت؟ وهل وعيت؟”
الإنسان حين يقول: “أنا أؤمن بنفسي”، فهو يفترض مسبقًا أن هناك “أنا” ثابتة يمكن الإيمان بها.
لكن عند التأمل العميق، تتغير الصورة: هذه “الأنا” ليست شيئًا ثابتًا، بل فكرة تتشكل باستمرار من الذاكرة، والخوف، والتجربة.
فإذا كان ما تسميه “نفسك” متغيرًا باستمرار، فبأي شيء تؤمن تحديدًا؟
وهنا يظهر سؤال آخر أكثر جرأة:
هل الإيمان في جوهره محاولة لتغطية ما لا نعرفه؟
كثير من الناس لا يقولون “لا أعرف”، بل يستبدلونها بجملة: “أنا أؤمن”.
لكن بين الجملتين فرق كبير: الأولى تعترف بالجهل وتفتح باب المعرفة، أما الثانية فقد تغلق الباب دون أن تشعر.
وهكذا يصبح الإيمان أحيانًا ستارًا لطيفًا على عدم الفهم، لا أكثر.
لكن هذا لا يعني السقوط في نقيضه، أي الإنكار أو الإلحاد، لأنهما في النهاية وجهان لطريقة واحدة في التفكير:
كلاهما يعتمد على فكرة “القبول أو الرفض”، “الوجود أو العدم”.
بينما الحقيقة — إن وُجدت — قد لا تنتمي إلى هذا التقسيم أصلًا.
الله ليس فكرة… بل تجربة ووعي
حين نحاول أن نحصر “الله” في فكرة أو تعريف، نكون قد حوّلناه إلى شيء صغير داخل العقل.
لكن ما لا يمكن للعقل أن يحتويه بالكامل، لا يمكن أيضًا أن يُختصر في مفهوم.
لذلك، ربما المشكلة ليست في “الله”، بل في الطريقة التي نحاول بها فهمه.
فإذا كان الإنسان يرى العالم من خلال ثنائيات: نور وظلام، خير وشر، رجل وامرأة، حرب وسلام،
فإنه سيحاول تلقائيًا وضع الله في أحد هذه التصنيفات.
لكن ماذا لو كانت الحقيقة أوسع من كل ذلك؟
ماذا لو كانت الحياة نفسها حركة واحدة تتجلى في صور متقابلة، دون أن تكون منقسمة في أصلها؟
الليل ليس عدو النهار، بل امتداده.
والحرارة ليست نقيض البرودة، بل تحول من درجة إلى أخرى.
حتى الخير والشر، قد يكونان في بعض الأحيان مجرد تسميات بشرية لتجارب داخل نظام أكبر لا نراه كاملًا.
معظم معاناة الإنسان لا تأتي من الحياة نفسها، بل من فكرة الانفصال:
أنا هنا، والعالم هناك.
أنا جيد، والآخر سيئ.
أنا مؤمن، والآخر ضال.
لكن حين يتعمق الإنسان في الوعي، تبدأ هذه الحدود بالذوبان شيئًا فشيئًا.
ليس بمعنى أن كل شيء يصبح واحدًا بشكل نظري،
بل بمعنى أن الشعور بالانفصال نفسه يبدأ في التلاشي.
عندها لا يعود الإنسان يرى نفسه كجزء منفصل يقف خارج الحياة،
بل كجزء من تدفق أكبر، يتحرك فيه ويشارك فيه دون عزلة حقيقية.
الفكر بطبيعته يقسم، يقارن، يصنف، ويحكم.
وهذا ضروري في الحياة اليومية، لكنه محدود إذا حاول أن يفسر كل شيء.
لكن هناك لحظة في حياة الإنسان — لحظة صمت داخلي عميق —
يتوقف فيها هذا التصنيف، ويبدأ نوع آخر من الإدراك.
إدراك لا يعتمد على فكرة، بل على حضور مباشر.
في هذه الحالة، لا يكون السؤال: “ماذا أعتقد؟”
بل: “ماذا أختبر الآن؟”
وهنا يصبح الوجود نفسه أوسع من الكلمات.