استكمالا للمقال السابق لكشف الستار عن معاني وأسرار (الحق) ..
الجزء الثاني :
* سر قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) (البقرة 26) .
هنا نقف على أبواب مدائن علوم الإيمان حيارى ، وبخمرته سكارى ، وبأسرار صفاته وعلو مكانته موقنين ، قد افتتح الله هذا السر بكلمة الشرط والتفصيل ، ليعرفنا أن مقام علوم الأمثال مرتبط بمقام الإيمان ، فلا يعلم أسرار الأمثال ويشهد أنوارها إلا أهل الإيمان ، الذين يؤمنون بالله تعالى ورسوله ﷺ ، فيدخلون مدرسته ، ومن دخل المدرسة تعلم ما فيها من العلوم ، وعِلْمُ الأمثال وعِلْمُ الإيمان لا يعلمه إلا من عَلَّمَهُ الرحمن ، والرحمن لا يُعَلِّمَ إلا من اتقاه ، وخضع لتعاليمه ، واتبع رسوله ﷺ في شرعه ، وسنته القولية والعملية والأخلاقية ، وتجمل بعقيدة الرسول ﷺ ، وعبادته وكمالاته ومعاملاته ، وأما من خالف الرسول ﷺ ، ووقف عند بحثه وعقله ، وفهمه وإدراكه ، كادا بالدليل ، ومعتمدا على الدرس والبحث والقياس ، والتنقيب في المتون ، وبطون الكتب ، فهذا لا يصل إلى علوم الأمثلة ، ولا يشم رائحة الإيمان ، ويكون مثله كمن تلقى علوم الهيئات والنظريات ، ولم يطبق العلم على العمل ، كحامل أكبر شهادة في علوم الزراعة ولم يعمل في الحقل ، فهو أجهل من صغار الزراع ، الذين لم يأخذوا مباديء تلك العلوم في السَّنَة الإبتدائية .
ومن هنا نقرع باب مدرسة الإيمان ، ونبحث عن أهلها ومدرسيها ، لنعلم الحق من ربنا كما أشارت هذه الآية ، وكأن الله تعالى يقول لنا :
(إن أردتم أن تعلموا أسرار أمثالي ، الدالة على جمالي وكمالي ، فابحثوا عن أهل الإيمان والعلم ، فهم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم) .
والإيمان ، وما أدراك ما الإيمان ..
الإيمان : نور من نور الله جل جلاله ، وصورة من عالم الغيب ، وبصيرة من الله ، يمن بها على من يشاء من عباده ، ويتفضل بها على من يحب من أحبابه ، وهذه البصيرة هي عيون من عيون الملكوت ، ترى المعاني العلية ، والأسرار الربانية ، والغيوب الخفية ، ومثلها كمثل البصر في الرأس يرى الأرض والسماء ، والبصيرة في القلب ترى معاني الصفات والأسماء ، وكما أن الله زين الوجه بالسمع والبصر ، كذلك زين القلب بالإيمان والبصيرة ، قال تعالى : (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات : آية 7) .
فالإيمان عين المحبة الإلهية ، وزينة من زينة رب البرية ، ونعمة من أكبر النعم الملكوتية الباطنية ، وأهله هم سادة البرية ، اصطفى الله منهم الأنبياء والمرسلين ، والصديقين والشهداء والصالحين ، والمخلصين والصادقين ، وهم أئمة الورى في كل زمان ، وهم في زماننا هذا هم الورثة لرسول الله ﷺ ، وهم الأولياء لله ، وهم أهل العلم بالله ، وبرسالات الله ، وكأن الله تعالى يقول مشيرا بهذا السر :
(إن أهل الإيمان عندي هم العلماء ، وهم الذين يتعلمون ، ويحملون شهادة النجاح والفلاح ، وهم الذين يرون وجهي في الدنيا والآخرة ، ويشهدون نور الحق في أمثلة صور الخلق) .
قال تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ، يعني : وأما الذين استنارت قلوبهم بنور الإيمان ، وشهدت سرائرهم أسرار آيات الله في الأكوان ، ودقة صنعة تصويره في الحيوان والإنسان ، وعلمهم الرحيم الرحمن ، فهم الذين شاهدوا الحق ظاهرا ، والنور باهرا ، ورأوا الخلاق في مرائي المخلوقات ، ورأوا وجه المكون في جميع الكائنات ، والصانع الحكيم في جمال المصنوعات ، وشهدوا حيطة الكمال في أكبر مثال وأصغر مثال ، والإيمان مذكور في مواضع كثيرة في القرآن ، وهو بضع وسبعون شعبة .
وكلمة الإيمان هنا مشيرة إلى أن الإيمان هو مفتاح العلم اللدني ، والشهود الرباني ، وهو شرط للوصول إلى كشف أسرار الحق في أمثلة الخلق ، لأن كلمة الإيمان جاءت بعد ذكر مثل البعوضة وما فوقها ، ثم جاء الشرط بقوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ، فذكر الله شرطا وإشارة وإيمانا ، وعلما وحقا وربا :
فالشرط : يفيدنا أنه لا ينال أحد العلم بالأمثال إلا بالوسيلة .
والإشارة : تفيدنا أن الإيمان مخصوص لمخصوصين ، لا لكل الناس أجمعين .
وكلمة الإيمان : تفيدنا أن من حُرِم الإيمان ، ومُنِح علوم الأولين والآخرين ، لا يرى وجه الحق أبدا .
وكلمة العلم : أفادتنا بأن الإيمان محتاج إلى العلم ، والعلم محتاج إلى الإيمان ، سر قوله تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ) (الروم : آية 56) .
وكلمة الحق : بعد ذكر الإيمان والعلم تفيدنا أن الله إذا وهب لعبد إيمانا وعلما كاشفه بنور وجهه ، وأطلعه على أسراره ، وأظهر له الحق جليا.
وكلمة الرب : في الختام تشير إلى أن هذا الإيمان والعلم والشهود هو من الدائرة الربانية ، سر قوله تعالى : (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران : آية 79) .
وإجمال هذا السر الذي انطوى في تلك الآية : أن كل من حُرِم الإيمان ، لا يدرك سرا من أسرار القرآن ، ولا يفهم مثلا من أمثلة الوجود ، ولا يدرك حكمة وجوده في هذه الحياة ، ولو وقفنا عند كل سر من أسرار الآيات ما استطعنا في حياتنا كلها أن نوفيه حقه ، أو نصل إلى بيانه وتفصيله ، ولكننا نكتفي من كل بستان بثمرة ، ومن كل بحر بغرفة ، لأن السطور لا تستطيع حمل معاني أسرار كلام الغفور ، لأنه آيات بينات في الصدور ، والصدور هي صحف العليم الشكور .
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى مع أسرار (الحق) .