تقول الشيطانة "سباي"..
لو أن نفسي تحب الحديث عن نفسها لقالت إنني شيطانة لم يعرفني أحد من أهل
الأرض قاطبة.. وإن كنت أعرف أهل الأرض قاطبة.. لست جاسًة بل إنني
جسّاسة.. أجس خبر الأرض وأهل الأرض وأبالغ في ذلك.. وليس لي سكن إلا
بجوار سيدي العظيم "أنتيخريستوس".. في جزيرة الثعبان.. ويوم مأساة احتراق
كل شياطين الجزيرة بالشهب في زمن "موسى".. لم أصب بأدنى أذى.. لأنني لم
أكلف بجس خبر السماء.. وإنما بخبر الأرض.. وليس يفعلها إنس ولا جن خير مما
أفعلها.. هيئتي الشيطانية يراها الإنس.. ولايزالون يرونها حتى العصر الحديث..
فأنا من قبيلة من الشياطين كلهم على هيئتي.. وإن اختلفوا عني في تفاصيل
تشريحية يسيرة.. إن قبيلتي تسكن غابات الأرض كلها.. ولأيسر عليك تصور
هيئتي عليك أن تتصور أولا غوريلا.. ثم تضع لهذه الغوريلا شعرا طويلا كثيفا
جدًّا يغطي جسدها كله ويغطي وجهها.. هكذا أنا.. وهكذا نحن.. وقد أطلقتم
على قبيلتي في عصركم الحديث اسمًا عجيبًا.. "ذو القدم الكبيرة"..
أو Big Foot .. ومسماكم هذا إن دلَّ فإنما يدل على جهل بني الإنسان وشده حمقه..
تسألني كيف أجس الأخبار بالضبط؟ هذا مما لا يجب أن يقال.. فقط اعلم أنني
أعلم.. وأراقب.. وليست قبيلتي مثلي.. فلهم حياتهم ولي حياتي.. وحياتي عند
سيدي.. وهو سيدي وسيد الجميع.
لقد وطئَت جزيرة الثعبان أقدام بشرية مرتين.. إحداهما في زمن "موسى"..
وهو ذلك الملاح التائه.. وكانت الثانية في زمن "محمد".. نبي آخر الزمان.. وإن
لهذا قصة..
في ذات ليلة عاصفة في بحر اليمن كانت هناك سفينة يلعب بها الموج حتى فقد
ربَّانها القدرة على تحديد مكانه.. فأيما ينظر بوجهه لا يرى إلا زرقة البحر.. وقد
حاول ربانها أن يعود إلى أية يابسة بالجوار لكنه يئس.. وأصبحت تتناوب على
السفينة عواصف وراءها عواصف.. حتى مكثت في بحر اليمن شهرًا كاملًا
تتلاعب بها الأمواج كيفما تشاء.. حتى أرفأت السفينة فجأة إلى جزيرة.. كانت
هذه جزيرتنا جزيرة الثعبان.. وكان هؤلاء نفرًا من النصارى العرب عددهم إحدى
وثلاثون رجلًا. . كان منهم رجل يدعى "تميم الداري". جلسوا أول الأمر في
قوارب السفينة حتى غربت الشمس واسودت السماء.. ثم دخلوا إلى الجزيرة..
وفور أن دخلوها لقيتهم.. كانت هيئتي غريبة جدًّا عليهم.. ظنوني حيوانًا
فسموني دابة.. ولأن هيئتي بدت لهم أقرب تشريحيًّا إلى الإنسان وجّهوا لي
كلامًا فقالوا وعيونهم تغمرها الدهشة:
- ويلك.. ما أنت؟
قلت لهم بلغتهم العربية ببساطة :
- أنا الجسّاسة.
قالوا لي:
- وما الجساسة؟
تجاهلت السؤال وقلت لهم:
- أيها القوم.. انطلقوا إلى هذا الدير هناك.. ففيه رجل.. وإنه لخبركم
مشتاق.
بدا على القوم الذعر مني فتركوني وذهبوا مسرعين إلى ذلك الدير.. ولما دخلوه
رأوا فيه رجلاً عظيم الجسد قوي النبة بشكل لم يروه من قبل في حياتهم..
الأغرب أنه كان مقيدًا بقيود لم يروا في مثل عظمتها في حياتهم.. مجموعة
يداه الاثنان وراء عنقه بحديد.. وأغلال من حديد تقيد ما بين ركبتيه إلى كعبيه..
كان هذا هو سيدي "أنتيخريستوس".. ولتقييده بتلك الطريقة القاسية قصة ليس
من حقي أن أخبرك عنها.. فلما رأى أولئك العرب ذلك المشهد فزعوا وقالوا :
- ويلك.. ما أنت؟
قال لهم سيدي "أنتيخريستوس" :
- سأخبركم بأمري.. لكن أخبروني ما أنتم؟
قالوا له :
- نحن أناس من العرب.. ركبنا في سفينة بحرية فصادفَنا البحر في
هياجه.. فلعب بنا الموج شهرًا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه.. ولما
دخلناها لقينا دابة كثير الشعر لا ندري أين قُبلها من دُبرها.. من كثرة
الشعر.. فسألناها ما أنت.. قالت اعمدوا إلى رجل في الدير فإنه إلى
خبركم بالأشواق.. ففزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة.
قال لهم سيدي "أنتيخريستوس" :
- أخبروني عن نخل بيسان في فلسطين.. هل لا زال يثمر؟
قالوا له :
- نعم يثمر
قال لهم بلهجة عجيبة :
- أما إنه يوشك ألا يثمر.. أخبروني عن بحيرة طبرية في فلسطين على
نهر الأردن.. هل فيها ماء؟
قالوا له وهم ينظرون إلى بعضهم بنظرات مندهشة :
- هي كثيرة الماء.
قال لهم بلهجة مثل الأولى :
- أما إن ماءها يوشك أن يذهب.. فأخبروني عن عين زغر في غور الأردن
في فلسطين أيضًا.. هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قالوا وقد بدأت كل تلك الأسئلة تريبهم :
- نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.
قال لهم سيدي "أنتيخريستوس" بلهجة بطيئة :
- أخبروني عن نبي الأميين.. ما فعل؟
قالوا له :
- قد خرج من مكة ونزل يثرب.
قال لهم مضيقًا عينيه:
- وهل قاتله العرب؟
- نعم قاتلوه .
- وكيف صنع بهم؟
- لقد انتصر على من قاتله من العرب وأطاعوه.
- أحقًّا كان ذلك؟
- نعم
- أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه .
ثم قال بصوتٍ قوي:
- إني مخبركم عن أمري الآن.. إني أنا المسيح.. وإنه يوشك أن يؤذن لي
في الخروج إلى الأرض.. فأخرج فأسير فيها فلا أدع فيها قرية إلا
مكثت فيها أربعين ليلة.. غير مكة والمدينة.. فهما محرمتان علي
كلتاهما.. كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده
السيف يصدني عنها.. وإن على كل نقب من أنقابها ملائكة
يحرسونها.
فزع منه القوم وأسرعوا وغادروا الجزيرة.. وقد ذهب واحد منهم إلى نبي الأميين
"محمد" فأسلم وحكى له كل ما حدث معه من أمر جزيرتنا.. فما كان من
"محمد" إلا وفرح بقوله فرحا شديدا وروى حديثه لأصحابه.
يتبع...