عن وابصة بن معبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : (جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ نَعَمْ فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)
استفت قلبك : اي اطلب جواب ما أشكلَ عليك من البرعند قلبك (وليس الحكم الشرعي وأمر الله ورسوله)
يخطئ كثير من الناس في فهم هذا الحديث ، حيث يجعلونه مَطِيَّةً لهم في الحكم بالتحليل أو التحريم على وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم ورغباتهم ، فيرتكبون ما يرتكبون من المحرمات ويقولون : (استفت قلبك) !!
مع أن الحديث لا يمكن أن يراد به ذلك ، وإنما المراد من الحديث أن المؤمن صاحب القلب السليم قد يستفتي أحداً في شيء فيفتيه بأنه حلال ، ولكن يقع في نفس المؤمن حرج من فعله ، فهنا عليه أن يتركه عملاً بما دله عليه قلبه. .
فالحديث ليس لعموم الناس، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم موجه لصحابي قلبه صافٍ سليم شعَّ منه نور الإيمان والقرآن، ليس ملطَّخًا بالبدع والهوى وظلمات المعاصي، ولو أن الناس أخذوا هذا الحديث على ظاهره، لَكان لكل واحد منهم مذهب، ولكل واحد منهم مِلَّة، ولَقلنا إن أهل البدع كلهم على حق، لأن قلوبهم استفتوها فأفتتهم بذلك..
والواجب على المسلم أن يسأل عن دينه ، ويَحْرُمُ على الإنسان أن يقول على الله تعالى وعلى رسوله بغير علم، وِمن ذلك أن يفسر الآيات والأحاديث بغيرِ ما أراده الله ورسوله. لأن أمر الله ورسوله لا يؤخذ من القلب وإنما يؤخذ مِن الوحي.
وكذا فالحديث ليس معناه أن الإنسان يترك لقلبه العنان؛ باختيار ما يختاره، وفي محبة ما يُحِب، وفي كراهة ما يكره، فهذا يؤدي إلى ضلال مبين؛ وإنما المراد باستفتاء القلب: أن القلب يطمئن بَعْدَ معرفة حُكْم القرآن والسُّنة في هذا الأمر، فإذا كان حلالاً، وكان مما يُرضي الله -تبارك وتعالى- فإن النفس المؤمنة تطمئن إلى هذا الحكم، وأما إذا كان فيه حرامٌ، أو شبهة، فهذا يقع في النفس منه اضطرابٌ، وفِقدان سكينة، وعدم طُمأنينة؛ كما في الحديث الآخر: "البِرُّ هو ما اطمأن إليه القلبُ، وسَكَنَتْ إليه النفْسُ، والإثم ما حاكَ في نفْسِك، وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس. .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ"، فهو حديث متَّفَق عليه، ومعناه: أن الحرام والحلال معروف بالأدلة الظاهرة من الكتاب والسُّنة، ومَن خفي عليه حُكْم شيء وَجَبَ عليه سؤالُ أهل العِلم؛ لقوله تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"
قال ابن رجب في (فتح الباري): "إن الله أنزل كتابه، وبَيَّنَ فيه حلاله وحرامه، وبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأُمَّته ما خَفِيَ مِن دَلالة الكتاب على التحليل والتحريم؛ فصرح بتحريم أشياءَ غيرِ مصرَّحٍ بها في الكتاب، وإن كانت عامَّتُها مستنبَطةٌ منَ الكِتاب، وراجعةٌ إليه فصار الحلال والحرام على قسمين:
- أحدهما: ما هو واضح، لا خفاء به على عموم الأُمَّة؛ لاستفاضته بينهم، وانتشارِهِ فيهم، ولا يكاد يخفى إلا على مَن نَشَأَ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البَيِّن، والحرام البَيِّن.
ومنه: ما تحليله وتحريمه لِعَيْنِه؛ كالطيِّبات من المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح، أو الخبائث من ذلك كله.
ومنه: ما تحليله وتحريمه من جهة كسْبِهِ؛ كالبيع، والنكاح، والهبة، والهدية، وكالرِّبَا والقمار، والزنا، والسرقة، والغصب، والخيانة، وغير ذلك.
-القسم الثاني: ما لمْ ينتشر تحريمُه وتحليله في عموم الأُمَّة؛ لخفاء دَلالة النص عليه، ونحو ذلك، فَيَشْتَبِه على كثير من الناس: هل هو مِنَ الحلال أو مِنَ الحرام؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه، فلا يَشْتَبِه عليهم؛ بل عندهم من العِلم الذي اختُصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حِلِّ ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مُشْتَبِهاً عليهم؛ لوضوح حُكْمه عندهم".أ.هـ، والله أعلم.
-------
بتصرف.