: اسماء الله الحسنى شرح مستفيض
* الجامـــع :
تقول اللغة إن الجمع هو ضم الشىؤ بتقريب بعضه من
بعض، و يوم الجمع هو يوم القيامة ، لأن الله يجمع فيه
بين الأولين والأخرين ، من الأنس و الجن ، و جميع أهل
السماء و الأرض ، و بين كل عبد و عمله ، و بين الظالم
و المظلوم ، و بين كل نبى و أمته ، و بين ثواب أهل الطاعة
و عقاب أهل المعصية .
الله الجامع لأنه جمع الكمالات كلها ذاتا وصفا و فعلا ، والله
الجامع والمؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات ،
و المتماثلات مثل جمعه الخلق الكثير من الأنس على ظهر
الأرض و حشره إياهم فى صعيد القيامة ، و أما المتباينات
فمثل جمعه بين السموات و الأرض والكواكب ، و الأرض
و الهواء و البحار ، و كل ذلك متباين الأشكال و الألوان و
الطعوم و الأوصاف ، و أما المتضادات فمثل جمعه بين
الحرارة و البرودة ، و الرطوبة و اليبوسة ، و الله الجامع
قلوب أوليائه الى شهود تقديره ليتخلصوا من أسباب
التفرقة ، و لينظروا الى الحادثات بعين التقدير، إن كانت
نعمة علموا أن الله تعالى معطيها ، و إن كانت بلية علموا
أنه كاشفها .
الجامع من العباد هو من كملت معرفته و حسنت سيرته ،
هو من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ، و من جمع بين
البصر و البصيرة .
* الغني المغني :
تقول اللغة أن الغنى ضد الفقر ، والغنى عدم الحاجة و
ليس ذلك إلا لله تعالى ، هو المستغنى عن كل ما سواه ،
المفتقر اليه كل ما عداه ، هو الغنى بذاته عن العالمين ،
المتعالى عن جميع الخلائق فى كل زمن وحين ، الغنى
عن العباد ، و المتفضل على الكل بمحض الوداد .
الله المغنى الذى يغنى من يشاء غناه عمن سواه ، هو
معطى الغنى لعباده ، و مغنى عباده بعضهم عن بعض ،
فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فكيف يملك ذلك
لغيره، و هو المغنى لأوليائه من كنوز أنواره وحظ العبد
من الاسم أن التخلق بالغنى يناسبه إظهار الفاقة و الفقر
اليه تعالى دائما وأبدا ، و التخلق بالمعنى أن تحسن السخاء
و البذل لعباد الله تعالى .
* المانــــع :
تقول اللغة أن المنع ضد الإعطاء ، وهى أيضا بمعنى
الحماية ، الله تعالى المانع الذى يمنع البلاء حفظا و عناية ،
و يمنع العطاء عمن يشاء أبتلاء أو حماية ، و يعطى الدنيا
لمن يحب و من لا يحب ، و لا يعطى الآخرة إلا لمن يحب ،
سبحانه يغنى و يفقر ، و يسعد و يشقى ، و يعطى و
يحرم ، و يمنح و يمنع فهو المعطى المانع ، و قد يكون
باطن المنع العطاء ، قد يمنع العبد من كثرة الأموال و
يعطيه الكمال و الجمال ، فالمانع هو المعطى ، ففى
باطن المنع عطاء و فى ظاهر العطاء بلاء ، هذا الاسم
الكريم لم يرد فى القرآن الكريم و لكنه مجمع عليه فى
روايات حديث الأسماء الحسنى و فى القرآن الكريم
معنى المانع ، و فى حديث للبخارة : اللهم من منعت .
* الضار النافع :
تقول اللغة أن الضر ضد النفع ، و الله جل جلاله هو الضار ،
أى المقدر للضر لمن أراد كيف أراد ، هو وحده المسخر
لأسباب الضر بلاء لتكفير الذنوب أو ابتلاء لرفع الدرجات ،
فإن قدر ضررا فهو المصلحة الكبرى . الله سبحانه هو
النافع الذى يصدر منه الخير و النفع فى الدنيا و الدين ،
فهو وحده المانح الصحة و الغنى ، والسعادة و الجاه و
الهداية و التقوى .
و الضار النافع إسمان يدلان على تمام القدرة الإلهية ،
فلا ضر و لا نفع و لا شر و لا خير إلا و هو بإرادة الله ،
و لكن أدبنا مع ربنا يدعونا الى أن ننسب الشر الى أنفسنا ،
فلا تظن أن السم يقتل بنفسه و أن الطعام يشبع بنفسه
بل الكل من أمر الله و بفعل الله ، و الله قادر على سلب
الأشياء خواصها ، فهو الذى يسلب الإحراق من النار ،
كما قيل عن قصة إبراهيم ( قلنا يا نار كونى بردا و سلاما
على إبراهيم ) ، و الضار النافع و صفان إما فى أحوال
الدنيا فهو المغنى و المفقر ، و واهب الصحة لهذا و المرض
لذاك ، و إما فى أحوال الدين فهو يهدى هذا ويضل ذاك ،
و من الخير للذاكر أن يجمع بين الأسمين معا فإليهما
تنتهى كل الصفات ، و حظ العبد من الاسم أن يفوض
الأمر كله لله وأن يستشعر دائما أن كل شىء منه و اليه .
* النــــور :
تقول اللغة النور هو الضوء و السناء الذى يعين على
الإبصار ، وذلك نوعان دنيوى و أخروى ، و الدنيوى نوعان :
محسوس بعين البصيرة كنور العقل و نور القرآن الكريم ،
و الأخر محسوس بعين البصر ، فمن النور الإلهى
قوله تعالى ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) و من
النور المحسوس قوله تعالى ( هو الذى جعل الشمس
ضياء و القمر نور ) ، و النور فى حق الله تعالى هو الظاهر
فى نفسه بوجوده الذى لا يقبل العدم ، المظهر لغيره
بإخراجه من ظلمة العدم الى نور الوجود ، هو الذى مد
جميع المخلوقات بالأنوار الحسية و المعنوية ، و الله عز
وجل يزيد قلب المؤمن نورا على نور ، يؤيده بنور البرهان ،
ثم يؤيده بنور العرفان ، و النور المطلق هو الله بل هو
نور الأنوار ، ويرى بعض العارفين أن اسم النور هو
اسم الله الأعظم .
* الهـــادي :
تقول اللغة أن الهداية هى الإمالة ، ومنه سميت الهدية
لأنها تميل قلب المهدى اليه الهدية الى الذى أهداه
الهدية ، و الله الهادى سبحانه الذى خص من أراد من
عباده بمعرفته و أكرمه بنور توحيده و يهديه الى محاسن
الأخلاق والى طاعته ، ويهدى المذنبين الى التوبة ، و
يهدى جميع المخلوقات الى جلب مصالحها و دفع مضارها
و الى ما فيه صلاحهم فى معاشهم ، هو الذى يهدى
الطفل الى ثدى أمه و الفرخ لإلتقاط حبه و النحل لبناء
بيته على شكل سداسى .. الخ ، إنه الأعلى الذى خلق
فسوى و الذى قدر فهدى ، و الهادى من العباد هم
الأنبياء و العلماء ، وفى الحقيقة أن الله هو الهادى لهم
على السنتهم .
* البديـــع :
تقول اللغة إن الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء أو اقتداء ،
و الإبداع فى حق الله تعالى هو إيجاد الشىء بغير ألة و
لا مادة و لا زمان و لا مكان ، و ليس ذلك إلا لله تعالى ، و
الله البديع الذى لا نظير له فى معنيان الأول : الذى لا
نظير له فى ذاته و لا فى صفاته و لا فى أفعاله و لا فى
مصنوعاته فهو البديع المطلق ، و يمتنع أن يكون له مثيل
أزلا و ابدا ، والمعنى الثانى : أنه المبدع الذى ابدع الخلق
من غير مثال سابق و حظ العبد من الاسم الأكثار من
ذكره وفهم معناه فيتجلى له نوره ويدخله الحق تبارك
و تعالى فى دائرة الإبداع ، و من أدب ذكر هذا الاسم أن
يتجنب البدعة و يلازم السنة .
* الباقـــي :
البقاء ضد الفناء ، والباقيات الصالحات هى كل عمل صالح ،
و الله الباقى الذى لا ابتداء لوجوده ،الذى لا يقبل الفناء ،
هو الموصوف بالبقاء الأزلى من أبد الأبد الى ازل ازل الأزل
،فدوامه فى الأزل هو القدم ودوامه فى الأبد هو البقاء
و لم يرد اسم الباقى بلفظه فى القرآن الكريم ولكن مادة
البقاء وردت منسوبة الى الله تعالى ففى سورة طه
( والله خير وأبقى ) و فى سورة الرحمن ( ويبقى وجه
ربك ذو الجلال والإكرام ) ، وحظ العبد من الاسم إذا أكثر
من ذكره كاشفه الله بالحقائق الباقية ، و أشهده الأثار
الفانية فيفر الى الباقى بالأشواق .
* الــــوارث :
الوارث سبحانه هو الباقى بعد فناء الخلق ، و قيل الوارث
لجميع الأشياء بعد فناء أهلها ،روى أنه ينادى يوم
القيامة : لمن الملك اليوم ؟ فيقال :
لله الواحد القهار. و هذا النداء عبارة عن حقيقة ما ينكشف
للأكثرين فى ذلك اليوم إذ يظنون لأنفسهم ملكا ، أما
أرباب البصائر فإنهم أبدا مشاهدون لمعنى هذا النداء ،
يؤمنون بأن الملك لله الواحد القهار أزلا وابدا . و يقول
الرازى ( أعلم أن ملك جميع الممكنات هو الله سبحانه
و تعالى ، ولكنه بفضله جعل بعض الأشياء ملكا لبعض
عباده ، فالعباد أنما ماتوا و بقى الحق سبحانه و تعالى ،
فالمراد يكون وارثا هو هذا .
* الرشيــــد :
الرشد هو الصلاح والأستقامة ،و هو خلاف الغى و الضلالة ،
و الرشيد كما يذكر الرازى على وجهين أولهما أن الراشد
الذى له الرشد ويرجع حاصله الى أنه حكيم ليس فى
أفعاله هبث و لا باطل ، وثانيهما إرشاد الله يرجع الى
هدايته ، و الله سبحانه الرشيد المتصف بكمال الكمال
عظيم الحكمة بالغ الرشاد و هو الذى يرشد الخلق و
يهديهم الى ما فيه صلاحهم ورشادهم فى الدنيا و فى
الآخرة ، لا يوجد سهو فى تدبيره و لا تقديره ، و فى
سورة الكهف ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل الله
فلن تجد له وليا مرشدا ) ، و ينبغى للإنسان مع ربه
الرشيد أن يحسن التوكل على ربه حتى يرشده ، و
يفوض أمره بالكلية اليه و أن يستجير به كل شغل و
يستجير به فى كل خطب ، كما أخبر الله عن عيسى
عليه السلام بقوله تعالى ( ولما توجه تلقاء ربه قال عسى
ربى أن يهدينى سواء السبيل ) و هكذا ينبغى للعبد إذا
أصبح أن يتوكل على ربه وينتظر ما يرد على قلبه من
الإشارة فيقضى أشغاله ويكفيه جميع أموره .
* الصبــور :
تقول اللغة أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع ، و
الصبر ضد الجزع ، و يسمى رمضان شهر الصبر أن فيه
حبس النفس عن الشهوات ، والصبور سبحانه هو
الحليم الذى لا يعاجل العصاة بالنقمة بل يعفو أو يؤخر ،
الذى إذا قابلته بالجفاء قابلك بالعطاء والوفاء ، هو الذى
يسقط العقوبة بعد وجوبها ، هو ملهم الصبر لجميع خلقه
، واسم الصبور غير وارد فى القرآن الكريم و إن ثبت فى
السنة ، و الصبور يقرب معناه من الحليم ، و الفرق
بينهم أن الخلق لا يأمنون العقوبة فى صفة الصبور كما
يأمنون منها فى صيغة الحليم .
و الصبر عند العباد ثلاثة أقسام : من يتصبر بأن يتكلف
الصبر ويقاسى الشدة فيه و تلك أدنى مراتب الصبر ،
و من يصبر على على تجرع المرارة من غير عبوس و
من غير إظهار للشكوى و هذا هو الصبر وهو المرتبة
الوسطى ، و من يألف الصبر والبلوى لأنه يرى أن ذلك
بتقدير المولى عز وجل فلا يجد فيه مشقة بل راحة
و قيل اصبروا فى الله ، و صابروا لله ، و رابطوا مع الله ،
فالصبر فى الله بلاء ، والصبر لله عناء ، والصبر مع الله وفاء ،
و متى تكرر الصبر من العبد أصبح عادة له وصار متخلقا
بأنوار الصبور .